زعم البعض أن حالات الإدمان مقتصرة على تعاطي مخدرات أو استهلاك كحول؟ أنا أقول أن هذا الحصر لا يخرج عن كونه إدعاءا لا يستطيع صاحبه اثبات صحته؟ وكيف يكون ذلك وهو لم يعاين حالة أدمان من نوع آخر تصيب آحاد البشر. بل وأضيف على ذلك أن الأمر لا يقتصر على وجود إدمان من نوع آخر فحسب، إنما أكاد أجزم يأس متعاطيه من توفر الدواء والخلوص من الشقاء! ولعل عدم اكتمال ذاك الحصر كان بسبب خفاء معرفته عن خاصة الناس فضلا عن عامتهم. والفقير إلى عفو أعينكم قد شاهد معاينة أعراضه فخلص إلى أن ذاك الإدمان لا يخلو ان يكون مختلفا عن أعراض بقية حالات الإدمان الدارجة. فذاك رجل يحك ساعده الأيسر حتى كاد أن يقشط جلده، وأخرى تنتف شعر رأسها فلا تسكن إلا بجرعة، وثالث يمعر أظافره، ورابع يعض على أطراف بنانه، وخامس يشق جيوب ثوبه، وسادسة تدعو ثبورا على من منعها عنه!
يقول المدمن سعد-غفر الله لقارئ مدونته-: تصيبني حالات توتر يتخللها صرع لا تذهب حتى احقن النفس بجرعات منها، فاحس بعد تعاطيها براحة وانشراح صدر كبيرين. لكن-والكلام لازال لسعد- ما أن ينقطع عني أو احرم منه حتى يخيم علي التوتر والإضطراب مرة أخرى. فاقوم من مكاني كالمجنون باحثا عن مواطنه صائحا: (مكتبة! مكتبه! يا ناس! مدوني بجرعات من كتب!) فما إن أقع على مكتبة أمامي، حتى ارمي بنفسي على القائم عليها قائلا: (مدمن كتب ورب البشر!) فيهز رأسه عن قناعة و معرفة بإدماني -وأهل المكتبات أدرى بأعراضها- فيقوم هو بدوره باتخاذ الإجراءات اللازمة. ولأن الامر وقتئذ ملح فلا وقت لإجراء عملية “جراحية” على عجل قبل استشراء المرض، قام بحقني صفحات من كتاب حتى يعيد سكنى النفس وهدوءها. فتعود الطمأنينة مرة آخرى وتهدأ النفس، فاحمد الله على ذلك وأقوم عنه مختلسا حقنا عن دون علم منه لتكون قوت اسبوعي القادم. أهـ
قلت -سعد يعلق على قوله السابق-:فهأنذا أبرهن لكم على اختلال ذاك الحصر حينما نرى جميعا أن أناسا -نحسبهم والكتب حسيبتهم- قد وقعوا في شراك المكتبات حتى عجزوا عن الخروج منها. فولوجها سهل والخروج منها صعب. ولم تقف حالهم على ذلك فحسب، إنما استطاعت تلك الكتب أن تسخرهم عبيدا لخدمتها كما يفعل المخدر والنبيذ. فجعلوا يغدقون على المكتبات وكتبها مالا وجهدا حتى اصبحت شغلهم الشاغل.
والأعجب من ذلك، أن بعض الحقن -وإن كانت تستخدم مرة ثم ترمى- إلا أن المتعاطي لا يهدأ له بال حتى يعيد استخدامها مرة أخرى! فتجده يحرص أشد الحرص على تتبع قطرات سقطت -سهوا- من تلك الحقن. فيعمل على جمعها ثم صبها في الحقنة فيحقن نفسه بها كرة آخرى. وهذا وجدته في كتب كثيرة اقوم بقراءتها كرات ومرات. فلا أترك حواشيا أو تعليقات -تلك القطرات الساقطة!- إلا و ألتهمها بعيوني إلتهاما. ألا ترى حينما يُقدّمُ لك طبقٌ من كعك، فتجهز عليه ثم من شدة لذته وطيب حلاوته، يقوم لسانك طواعية بلعق الصحن وتتبع ما سقط من فتاته!
لذلك وجب التنبه والتحذيـــــــــر!
قاله المدمن سعد غفر الله لشراك وشباك كتبه