جمعني القدر بانثى ذات عقل ودلال، وصاحبة عطف وجمال، في مادة من المواد الدراسية أيام السعي الحثيث لنيل درجة البكالوريس قبل اربع سنوات تقريبا. وكما هي عادة القدر، يجمع الناس على متن صدفة ويفرقهم على غير ميعاد. في بداية أول محاضرة من محاضرات تلك المادة، أخذت الدكتورة بوعاء زجاجي وضعت فيه قصاصات كُتِبَ على كل واحدة منها اسمٌ من أسماء طلبة الشعبة، بغية تقسيمهم إلى مجموعات. أدنت الوعاء منها، ثم أدخلت يمناها فيه، فأخرجت منه قصاصة ففتحتها. فإذا بها تتهجى اسمي بين الجموع أولا! ثم اردفت اسمي باسم صاحبتي ثانيا، ثم اتبعتنا بثالث، فاختتمت المجموعة بفرد رابع أخير. فكنّا جميعا مجموعة مكونة من أربعة أفراد. ثم أخذت بعد ذلك توزع بقية أفراد الشعبة على مجموعات أخر منتهجة ما فعلته بمجموعتنا. وهكذا كان بداية اللقاء بها والتعرف عليها.
كنتُ أنا وهي مع العضوين الآخرين نجتمع سويا على دراسة فصول المادة وحل واجباتها، حتى كثُرت الاجتماعاتُ وطالت اللقاءاتُ، وازداد غشيان بعضنا لبعض. وعلى اثر ذلك الغشيان، وكثرة الإتيان، التحمت روابط الصداقة واشتد فتيل حبلها متانة، حتى بلغنا الأخوة بعينها. فكنتُ كالأخ لها وكانت هي كالأخت لي. وكما قيل سابقا: رب أخت لك لم تلدها أمك.
ألزمتنا طيبةُ الذكر وناصعةُ البياض أنا ومن اتبعني من بني “سعودي عريبيا” إضافة إلى العضوين الآخرين من مجموعتنا أن نحضر مأدبة عشاء على شرف أبيها بعد سفره الطويل، وذلك في بيت جدتها الذي تقطن فيه وقتئذ. فلَبيتُ الطلبَ على مضض بسبب عدم رغبتي في حضور اجتماعات عائلية لا علاقة لنزيف مثلي عليهم بها. مررنا بشقتي العضوين الآخرين فأخذناهما على عجل ثم سلكنا الطريق المؤدية إلي بيتها. أوقفنا السيارة ثم قرعنا الباب، ففتحته لنا ورحبت بقدومنا أيما ترحيب مرفقة تراحيبها تلك بضم وأحضان وقُبل وهيمان، ثم قادتنا بعد ذلك إلى غرفة جلوسهم فوجدنا فيها الجدَ والجدة جالسين على أريكة لهما يتوسطهما قط أسود قبيح. كانا حقيقة طاعنين في السن قد بلغ بهما الكبر عتيا، واشتعلت رؤوسهم شيبا، حتى كدتُ أجزمُ وقتئذ من وهْنِ عضامهم وضعف هيئتهم، أنهم قدّموا رِجْلا في القبر وأخروا اختها للدنيا. ولعل تلك الرِجْل التي أُخْرت قد لحقت بصاحبتها وقتنا هذا! كان جدُها بالذات قد ذهبت به سنينه الغابرة كل مذهب، فرسمتْ على وجهه لوحة من خطوط، أساسها الكد وفروعها البؤس والشقاء، ما يكاد يرفع شدقا إلا وتهتز لارتفاعه خطوط ذقنه وناصيته كلها. كأنها -والله- على قلب “خطٍ” واحد، حتى كاد أن يجزم الناظر إليه والمتحدث معه بمخاطبته خيوطا لا وجه إنسان! أما الجدة فبالكاد تحرك اعضاءها، ولولا إرماشها ساعتنا تلك لأيقنتُ أنها جثة هلكت قبيل لحظات!
سلمنا عليهما وجلسنا على الأريكة المقابلة وجعلتْ صاحبتي تعرفهم بنا وتعرفنا بهم، ثم استفتح جدها الحديث وجعل يطرح سؤالا تلو آخر عن السعودية وعن أهلها وحكامها، وموقعها ومذاهبها، والمصلح منهم و الفاجر، وأطنب خصوصا بالسؤال عن ابن لادن وزمرته. وجعلنا نحن بالمقابل نجيبه على أسئلته ونطرح عليه بمثلها. وفي خضم ذاك الحديث وبعد أن أخذتنا تفاصيله ودقائقه، طرق طارقٌ الباب فجأة! فهبت صاحبتي تفتحه، فسمعنا صوتها تضحك عاليا من بعيد تحي أحدهم مستبشرة، فعادت إلينا تجر إمراة رعبوبة من يدها، ارتدت قميصا أبيض، وبنطالا أخضر قُصَّ إلى فوق فَخِذَيها. ولعمر الله، بقيتُ باهتا للحظات حين دخولها علينا ثم أدركني عقلي فرأيتُ وجها لم أحسب أن الشمس وقعتْ على مثله جمالاً بل حتى أنه خُيَّل إلي أن الشمس نفسها تشرق من جبينها، وتغرب في شقائق خدها. وأنا أكاد أجزم أنه لا تفتح العيون على أتم منها حسنا ، ولاتقع الاطرف على أجمل منها صورة وخلقة. ولو رأيتُها من بعيد تسير نحوي مقبلة تحت ضوء خافتٍ لجزمتُ-والذي خلقها- أنها كشفتْ للعيان عن جذعها العلوي والسفلي-من مطابقة بشرتها لاطراف ثيابها بياضا- وتمنطقت بحزام أخضر عريض. ولو أردتُ أن اختصرها بجملة لقلت أنها هي الحسن مجسما، والجمال ممثلا.
مشت تلك الحسناء من بيننا تتمايل متثنية كالخيزران من غير سكر ولا خجل متجهة صوب الشيخ والشيخة مباشرة. فاكبت عليهما تحتضن الأول وتقبل الأخرى. فاتضح من كلامها أنها ابنتهما وهي عمة صاحبتي. ألتفتتْ بعد ذلك لتواجهنا بوجه رقيق كأنه كوكب دري، فابتدرت صاحبتي بتعريفها بنا فمدت يمينها -وكلتا يديها يمين!- فصافحتنا جميعا من دون أن تحتضن أو تقبل -رغم أن أطرافي اضطربت رغبة لذلك-، ثم جلست تلقاءنا عن يمين أبيها.
للحديث بقية……