Feeds:
تدوينات
تعليقات

أسود وبيضاء(3)

 للإطلاع على أسود وبيضاء (2)، اضغط هنا

 

 

فصل

حين جلس الجميع واستقر كل واحد منا في مقعده وأخذ الجد مرة أخرى يهذي وينفض عنه إلينا سنينه الشداد العجاف، دخل رجل عظيم الجثة، مضطربُ الخَلْقِ، أسودُ اللون، فطِسُ الأنف عريضه، ذو شفتين سميكتين وجبهة واسعة، فتقدم مباشرة إلى الرعبوبة متخطيا -ومستدبرا- الجميع لا يلوي على أحدٍ كأنه هارب من دم أصابه في قومه قبيل لحظات. فاستلم ثغرها فقبله ثلاثا! وأطال في تقبيله، ثم احتضنها وجعل يطلق أنفاسا ويتنهد مما لقيه من صدرها، وجعل يقول :

-احبك حبيبتي

فترد عليه:

-وأنا أحبك حبيبي.

وأنا ثالثهما على نصف متر من موضع اللثم والتقبيل احترق غضبا وغِلاّ من فعل غسق الليل هذا، حتى هممتُ مشاركته ثغرها! فكيف يطيب له ارتشافه ولا يطيب ذلك لكريم ابن كريم مثلي! بل كيف تمكنه ثغرها وتمنعني من الرعي والرتع في مرابعه! ثم ولى وجهه نحو الشيخ والشيخة فاستلمهما وقبل ما بين عينيهما ثم أزف نحو الأب فاحتضنه ولم يقبله، ثم أدلف بعد ذلك إلى صاحبتي فسلم عليها فاحتضنها كاحتضانه الأولى وأشارت بيدها نحونا تعرفه بنا، ثم استلمنا واحدا واحدا يصافحنا بيد كأنها مرزبة -يعلم الله!- من عظم عضامها. ولو جمع أيدينا كلها بسلام واحد، لما أعجزه ذلك! وقتها، وبعد أن رأيتُ ما رأيت، وأيقنتُ أن الأسودَ قد كان زوجها وأبا لابنتها، رميتُ بتلك الأعذار في زبالة الذاكرة وجعلتُ أسخر من أختلاقي لها وكيف كنتُ قبل فترة ألتمسُ لما أرى حججا خوفا من أن تأتي صفعاتٌ أُخَر عليّ مرةً أخرى علاوة على التي سبقتها من لدن ظهور ابنتها. لكن -واخيب ظناه- قد انهالت علي هذه المرة أرسالا متتابعة كحبات سُبحة انقطع خيطها. وبعد أن يأستُ من الظن في غير ما رأيت، جعلت أختلف إليه وإليها بنظراتي وأعجب مما أرى حتى رددتُ في نفسي مرارا وتكرارا:

-واثكل أماه! واااااثكل أماه !أما بقي من الرجال إلا هذا حتى تخالطيه ببعض لحمك! فتلدين مهجنة كهذه!

ثم قامت البنية من حجر أمها فقالت: أبي أبي، سأحضر أخي الصغير، فاضطربت لمقولتها عروق لساني قائلة:

-وااااااثكل جدتاه!!!!أولكم مهجن آخر غير مهجنتكم هذه!

فخرجتْ من بيننا والحديثُ قائمٌ فأتت بعد لحظاتٍ مجلِسَنا بطفل كأبيه في سواده -أو أشد- تحمله وتداعبه،فقلت في نفسي والكلام موجه لأمها :

-والله يا زينُ لقد جئت شيئا فريا! ماكان أبوك ظلام ليلٍ وما كانت أمك إلا خلقا سويا!

فاقبلت به إلى أمها تحمله، فوضعتُه في حضنها، فطفقت هي الأخرى تقبله وترقّصه ثم احتضنته وقبلته مطولا بشغف وقالت :

-يالذة تقبيلك.

ونفسي تردف قائلة :

-بخ بخ، هجين يُقبل، وكريمٌ يُصفع!

قمنا بعد أن قطع الأبُ عنوة حديث أبيه إلى الطعام، فأخذتْ صاحبتي تصف أطباقا على طاولة الطعام ونحن جلوس حولها، ثم أتت عمتها أم الهجينين فوضعت طبقا من بيتزا ثم جعلت تشطر وتضع في صحن وتقول: دونك، أنت وشأنك لكل واحد على حده. والأب يسكب نبيذا انتبذه بنفسه على حد زعمه. فأكل الجميع وشربوا، والشيخ لم يزل في حديث الماضي مسترسلا، كلمةٌ يخرجها ولقمة يلتقمها! وعقلي هو الآخر لم يزل كذلك مسترسلا في حساب الفروقات، لقمةٌ آكلها ونظرة اختلسها، باستثناء أن حساب الفروقات هنا كان على أربع صور بدلا من اثنتين.

وبعد أن انتهينا، وبعد أن رفع الأب الأطباق، عاج كبيرهم بنا مرة أخرى إلى أحاديثه الغابرة فازداد استرساله عن ذي قبل حتى ضجر الجلوس من حوله ولاحت على وجوههم علامات السآمة والضجر. فأخذت صاحبتي ترقبني من مكانها كأنها تطلب شيئا، ففهمتُ من إيماء حاجبيها ونظرات عينيها أن نستعجل الخروج. فولت وجهها نحو جدها فقطعتْ بعد أن ترددتْ قليلا كلامَه وقالت للحاضرين أن علينا الذهاب الآن فقد ضاق الوقت بنا والدكتورة ألزمت طلبتَها بتسليم المشروع غدا صباحا. فأخذنا نسلّم عليهم واحدا تلو آخر حتى مررتُ على العمة فأخذتْ تصافحني كاشفةً عن ثغر باسم -وَجَبَ العياذُ به- حاملةً هجينها ذاك. فاستحييتُ منها وقتئذ أن أُفْلِتَ يدي من دون أن اقبل هجينها، ثم أخذت نفسي اللوامة تحتج :

-وما الضير يابن أم سعد! على الأقل، ستلثم موضعا لثمته الست قبيل لحظات!

فجعلتُ اتتبع مواضعه وكدتُ أن أتهور قليلا فأرنو إليها هي بنفسها لألثمها لولا الخوف الذي اعتراني وقتئذ من يد زوجها أن تطالني، فهي “ربعةٌ” من الأيدي إن لم أقل مرزبةٌ عند التحقيق. ثم خرجنا مودعين بحفاوة وخصوصا من الجدة فقد أكثرت عند خروجنا من تحريك أطرافها وفغرت فاهها ضاحكة كأنها تستبشرُ خروجنا، فقالت لحفيدتها :

-عوجي علينا غدا با ابنتي بعد أن تنتهوا من مشروعكم ذاك.

- بالطبع جدتي، سنعمل على إتمامه بقية ليلتنا هذه، وسأبيت عند سعد هذه الليلة، وبعد أن نسلم المشروع غدا سأعوج عليكما مباشرة.

فَقَبَّلَتْها وخرجتْ معنا

(للحديث بقية)

أسود وبيضاء (2)

للإطلاع على أسود وبيضاء الجزء الأول هنا

فصل: أصل القصة

قال سعد: ابنة الثلاثين ربيعا هذه، هي مناط حديثي هنا في هذا الموضوع. وحيث أن لها أمرا اقامت به اعوجاج سلوكي إلى الأبد. بعد أن جلستْ تلك الشحرورة وظهر من جمالها وحسنها ماظهر، جعلت هي الأخرى تعيد بعض أسئلة أبيها بحكم تأخرها عن الحديث السابق. وجعلت تتكلم وتتجاذب أطراف الحديث مع من حضر وأنا من بينهم ساكتٌ لا انطق، ساكنٌ لا أتحرك! هي ترد وتآخذ وتعطي وتجيب وتسأل لفترةٍ -ووقع صدى كلماتها على أذني ترن- وأنا لازلتُ خرسا أعجز عن إبداء رأي أو تعقيب على حكم! لسانها ينطقُ ،وعيني كذلك تنطق، باختلاف أن لسانها موجه لكل من حضر، أما عيني فكانت موجهة شطر جسدها ولسان حالها (فولوا وجهكم شطره)! العلة والسبب -يعلم الله- في عجزي عن النطق هي أن عيني ما لبتثت تنفك عن الوقوع على غير جسدها! لساني خرِس وعيني تنطق هذرا بحديث شيق مع جسدها لا تريد من أي طرف خارجي -أو حتى داخلي- أن يمنعها منه وعنه. حقيقة، أخذت انظر بالتحديد إلى باطن فخذها مما يلي مفصل الركبة، وامعن في بياضه كأنه يشع خيوطا من شمس حتى ظهرت عروقه أو كادت من شدة بياضه.

يقول سعد: وفي حال شخوص النظر إلى ذينك الغصنين الرطبين، ارتمت في أحضانها على حين غفلة منا جميعا بُنيةٌ صغيرةُ السن، سوداء ذاتُ شعرٍ جاعدٍ، لا أعلم والله من أين سقطت، وجعلت تلح عليها بالمسألة فنطقت بكلمة [أمي] فلتة من بين جموع الكلمات التي لفظتها!؟

حسبكم!

صفعت كلمة [أمي] وجهي وقفاي وجبيني، وما صَلُحَ للصفع من مواضع جسدي، وقطعت عنوة حديث عيني مع جسدها. فجعلتُ أنظر إليهما وأتساءل كيف تكون بيضاء حميراء أُمّا لسوداء ظلماء كهذه! فقلت ربما في الأمر لبسٌ، أو ربما تبنتها، أو ربما أُغتصبت على حين كره منها، أو ربما كان كذا من حالها، أو كذا من أمرها، حتى أني أخذت أعمل عقلي واستفرغ جهدي أبرر ما أراه، وأختلق لها أعذارا! ألتفتت أمها إلينا وأومأت إلى البُنية أن سلمي على الضيوف. فقامت من حضن أمها ثم أخذت تصافحنا واحدا تلو آخر وتوزع ابتسامات عن اليمين وعن الشمال ثم رجعت إلى أمها فتشبثت بحجرها مرة أخرى.

استدرك الجدُ بعد ذلك بقية الحديث ثم جعل يدخلنا بقصة ثم يخرجنا منها إلى قصص أخرٍ أضغاثٍ لا يُرجى من الاستماع إليها نفعٌ ولا إليها-كذلك- مطلبٌ، فجعلتُ اصرف انتباهي إلى البنية وأمها وأنظر إليهما بإمعان و شدة، واحسب الفروقات بين ما أرى من هذه وما أرى من تلك، حتى صفى لي من الفروقات ما يزيد عن أصابع اليد الواحده! وكأني وقتها وضعتُ قلمي على لعبة ” ابحث عن الفروقات العشر بين الصورتين”! وشيخهم ذاك لازال يقحمهم في ما حدث له في غابر سنينه ويطنب تفصيلا في الأحاديث وكل من حوله آذان صاغية. حتى دخل صاحب شرف الوليمة على حين غرة صائحا بأعلى صوته فنهض الجميع يستقبلونه مهللين ومستبشرين، فاستلمته أحضانٌ وأعتلته قُبلٌ حتى عجوزهم في الغابرين قامت من مكانها فصكت وجها فرحا. فاستظرفتُ قيامها حينها فقلتُ في نفسي : أمر حسن! هذا دليل ثان على بقائها حيه تتنفس! ثم أخذت صاحبتي تعرفه بنا وتعرفنا به وتشرح له الصدفة التي جمعتها بي وكيف ألتقينا حتى انها ذكرت وعاء الدكتورة ويمينها! فجعل أبوها يعجب ويهز حاجبيه ويشخص عينيه حتى فغر فاه معقبا: [ يا لمحاسن الصدف]! ثم ضحك فضحكنا تبعا.

للحديث بقية….

حينما نطلق كلمة [أغنية] على “اغنية” ما، فلابد من اجتماع ثلاث قواعد: الأولى: الصوت، الثانية : الكلمات. الثالثة: الموسيقى. فإن سقطت قاعدة، سقطت الأغنية معها فلا تعدو ان تكون إلا كبقية الكلام أو الأصوات الدارجة الخالية من الإبداع والتميز. وحينما نطبق تعريفنا السابق على بعض ما نسمعه، نجد أن بعض أصحابها أصاب تعريفنا السابق بحذافيره، ونجد بعضهم الآخر [من جمبها]. فمثلا، -على سبيل المثال لا الحصر- السيدة أم كلثوم والسيدة فيروز ومحمد عبده، ينطبق عليهم التعريف بدقة إن لم نقل أن التعريف ازدان بهم وافتخر. بينما الصنف الآخر-كذلك على سبيل المثال لا الحصر- كنانسي عرجاء، وهيفاء فُساء، لا ينطبق عليهم التعريف لا والله ولا حتى بفقرة واحدة. فلا صوت ولا كلمات ولا ألحان. وأنا برئ من أهلي وكل من يعز علي إن لم تكن شهرة تلك الفاجرتين أتت إلا من سياسة ”هز الوسط” وكشف الأرداف. وإلا والله لن يعير أحدنا انتباهه وذهنه لتلك الدعيتين  بسبب قبح الصوت وسخافة الكلمات. وهل هناك عاقل يبذل مالا وجهدا في اصدار -وكما اسمتها ادعاءا-”اغنية” مطلعها “شخبط شخابيط”! وأنا كذلك أجزم عن دون شك  أنه لو حُسب عددُ اهتزازات  الحنجرتين -على فرض أنهما كذلك- مقارنة بعدد اهتزاز الأرداف، لغلبة كفة الأرداف بما لا يسع الحاسب عده، فالفرق واسعٌ والبون شاسع. وأنا اعتب-صراحة- على من جعل تلك الأفاكتين من جملة أهل الفن، وإلا الناظر في أمرهما، يخلص بداهة أنهما قد ضمتا إليه إلصاقا وعند دون دراية أيضا.

لذلك، لو كنت على أهل الفن سلطانا، لأخذتهما فلرميتهما في غيابت الجب منكستين مصفوعتين ولوضعت يافة بالقرب مكتوبا عليها: إنما جزاء الذين يحاربون الفن وأهله ويسعون فيه فسادا أن ينكسوا أو يصفعوا أو تضرب أردافهم ومناطقم من خلاف أو  يرموا جملة في الجب حتى نريح ونستريح أو يدعوا عنهم فجورهم ذاك عن يد وهم صاغرون.

في عصر هذا اليوم، ذهبتُ إلى بيت جدي كي أعوده في مرضه الذي ألم به آنفا. وطبعا كون جدي من الناس الذين يغضبون إن رأى أحد ابناءه بثوب دون شماغ- فما بالك لو رآهم ببدلة-  فقد خرجتُ من البيت ببدلة غافلا عن معتقده ذاك و لم أنتبه إلى هذه المعلومة إلا على عتبة باب بيته. لذلك، عدت أدراجي إلى البيت فارتديت ثوبي وتقنعت شماغي على عجل  ثم ركبت سيارتي متجها مرة أخرى إلي بيته. وكعادتي، إن لم أجد شماغي أو عقالي في البيت، أجده في السيارة، وإن لم أجده في السيارة، فهو حتما في البيت، لكن وبعد أن اوقفت السيارة أمام بيت الجد، جعلتُ أبحث عن عقالي فلم أجده بين طيات المراتب ولا حتى في خلفية السيارة! فقلت لا يهم، فأنا داخلٌ على جدي وليس على أجانب. ثم دخلت وسلمتُ وشربتُ قهوة وأكلتُ رطبا جنيا.  وقد لاحظت-وأنا أصيب من رطبه- امعانه النظر إلى ملبسي وكأنه يبحث عن ثغرة كي ينفذ منها بسهم جارح. لكن وكأنه أعجبته هيئتي دون عقال وكأن الظن أخذ به إلى أن ابنه سعد قد ”استقام” وترك زينة الدنيا وزخرفها. وبعد ان مكثتُ معه قرابة ثلث ساعة، استأذنته فخرجتُ من بيته واتجهت بسيارتي مباشرة إلى مكتبة جرير الواقعة شمال الرياض على طريق الدائري الشمالي عند مخرج خمسة. العجيب أنه حينما أوقفت سيارتي، وترجلت منها، أتاني رجلٌ ملتحي متبسما فسلم وسأل عن مكتبة تبيع كتبا مستعملة. فجعلتُ اصف له الطريق من ذاك المخرج حتى موقع تلك المكتبة. وجعل هو يردف كل كلمة  انطق بها  بكملة [ يا شيخ، يا شيخ]. ثم جعل يكثر بعد ذلك منها بعد أن استوعب الوصف فختم كلامه بـ [ أحسن الله إليك يا شيخ ونفع الله بك!] طبعا ربما أخذ يردد كلمته تلك لأني لم أحلق ذقني مذ فترة فبدى له وكأنني ممن يقال فيهم [نحسبهم والله حسيبهم ولا نزكي على الله أحدااااااا]. إضف إلى ذلك أني كنت  اتقنع شماغا من دون عقال. لكن -صراحة- لم آبه بمقولته تلك. ثم بعد أن دخلت المكتبة وبعد ان اتجهت إلى القسم الإنجليزي منه في الجهة الشمالية، وبعد أن وقفت امام رفوف الـ [self-development] غارقا في قراءة كتاب لـ ستيفين كوفي، أتتني امراة كأنها تريد أن تأخذ كتابا  من ذاك الرف الذي أقف امامه مباشرة.  فقالت لي [ ممكن يا شيخ]! فقدحت كلمتها تلك في رأسي ما كان من أمر جدي ونظراته إليّ وما كان من أمر ذاك الملتحي الباحث عن مكتبة الكتاب المستعمل، فقلت لم يجتمع هؤلاء الثلاثة مصادفة. ابتعدتُ عن الرف بعد ان اخذتُ بغيتي منه، ثم اتجهت إلى المحاسب، فمددت له بطاقة جرير المخفضة مع مائة ريال قطعة واحده، فنظر إلى البطاقة ثم سألني :[ هذي لك يا شيخ!].

 واثكل عقالاه! اربعة يجتمعون على [يا شيخ] في يوم واحد!

حسنا، وبما أن القرائن هنا اصبحت متواترة، فقد وجب حلق ذقني و تتويج رأسي بعقال. لذلك خرجتُ مسرعا إلى الحلاق التركي قبيل صلاة المغرب بدقائق والزمته بحلقها. طبعا كونه تركي هذا يعني افتقاره لعقال، لكن مفسدة ترك حلق الذقن أكبر من مفسدة تقنع عقال (عملا بالقاعدة  الفقهية، إذا تزاحمت المفاسد، يؤخذ بأقلها).  ولو قال لي لحظتها [يا شيخ سكسوكه ولا تنعيم] لصفعته بكتاب ستيفين ذاك على ناصيته فلا احتمل ان يكون هو خامسهم

 قاله وكتبه الشيخ سعد

أسود وبيضاء (1)

جمعني القدر بانثى ذات عقل ودلال، وصاحبة عطف وجمال، في مادة من المواد الدراسية أيام السعي الحثيث لنيل درجة البكالوريس قبل اربع سنوات تقريبا. وكما هي عادة القدر، يجمع الناس على متن صدفة ويفرقهم على غير ميعاد. في بداية أول محاضرة من محاضرات تلك المادة، أخذت الدكتورة بوعاء زجاجي وضعت فيه قصاصات كُتِبَ على كل واحدة منها اسمٌ من أسماء طلبة الشعبة، بغية تقسيمهم إلى مجموعات. أدنت الوعاء منها، ثم أدخلت يمناها فيه، فأخرجت منه قصاصة ففتحتها. فإذا بها تتهجى اسمي بين الجموع أولا! ثم اردفت اسمي باسم صاحبتي ثانيا، ثم اتبعتنا بثالث، فاختتمت المجموعة بفرد رابع أخير. فكنّا جميعا مجموعة مكونة من أربعة أفراد. ثم أخذت بعد ذلك توزع بقية أفراد الشعبة على مجموعات أخر منتهجة ما فعلته بمجموعتنا. وهكذا كان بداية اللقاء بها والتعرف عليها.

كنتُ أنا وهي مع العضوين الآخرين نجتمع سويا على دراسة فصول المادة وحل واجباتها، حتى كثُرت الاجتماعاتُ وطالت اللقاءاتُ، وازداد غشيان بعضنا لبعض. وعلى اثر ذلك الغشيان، وكثرة الإتيان، التحمت روابط الصداقة واشتد فتيل حبلها متانة، حتى بلغنا الأخوة بعينها. فكنتُ كالأخ لها وكانت هي كالأخت لي. وكما قيل سابقا: رب أخت لك لم تلدها أمك.

ألزمتنا طيبةُ الذكر وناصعةُ البياض أنا ومن اتبعني من بني “سعودي عريبيا” إضافة إلى العضوين الآخرين من مجموعتنا أن نحضر مأدبة عشاء على شرف أبيها بعد سفره الطويل، وذلك في بيت جدتها الذي تقطن فيه وقتئذ. فلَبيتُ الطلبَ على مضض بسبب عدم رغبتي في حضور اجتماعات عائلية لا علاقة لنزيف مثلي عليهم بها. مررنا بشقتي العضوين الآخرين فأخذناهما على عجل ثم سلكنا الطريق المؤدية إلي بيتها. أوقفنا السيارة ثم قرعنا الباب، ففتحته لنا ورحبت بقدومنا أيما ترحيب مرفقة تراحيبها تلك بضم وأحضان وقُبل وهيمان، ثم قادتنا بعد ذلك إلى غرفة جلوسهم فوجدنا فيها الجدَ والجدة جالسين على أريكة لهما يتوسطهما قط أسود قبيح. كانا حقيقة طاعنين في السن قد بلغ بهما الكبر عتيا، واشتعلت رؤوسهم شيبا، حتى كدتُ أجزمُ وقتئذ من وهْنِ عضامهم وضعف هيئتهم، أنهم قدّموا رِجْلا في القبر وأخروا اختها للدنيا. ولعل تلك الرِجْل التي أُخْرت قد لحقت بصاحبتها وقتنا هذا! كان جدُها بالذات قد ذهبت به سنينه الغابرة كل مذهب، فرسمتْ على وجهه لوحة من خطوط، أساسها الكد وفروعها البؤس والشقاء، ما يكاد يرفع شدقا إلا وتهتز لارتفاعه خطوط ذقنه وناصيته كلها. كأنها -والله- على قلب “خطٍ” واحد، حتى كاد أن يجزم الناظر إليه والمتحدث معه بمخاطبته خيوطا لا وجه إنسان! أما الجدة فبالكاد تحرك اعضاءها، ولولا إرماشها ساعتنا تلك لأيقنتُ أنها جثة هلكت قبيل لحظات!

سلمنا عليهما وجلسنا على الأريكة المقابلة وجعلتْ صاحبتي تعرفهم بنا وتعرفنا بهم، ثم استفتح جدها الحديث وجعل يطرح سؤالا تلو آخر عن السعودية وعن أهلها وحكامها، وموقعها ومذاهبها، والمصلح منهم و الفاجر، وأطنب خصوصا بالسؤال عن ابن لادن وزمرته. وجعلنا نحن بالمقابل نجيبه على أسئلته ونطرح عليه بمثلها. وفي خضم ذاك الحديث وبعد أن أخذتنا تفاصيله ودقائقه، طرق طارقٌ الباب فجأة! فهبت صاحبتي تفتحه، فسمعنا صوتها تضحك عاليا من بعيد تحي أحدهم مستبشرة، فعادت إلينا تجر إمراة رعبوبة من يدها، ارتدت قميصا أبيض، وبنطالا أخضر قُصَّ إلى فوق فَخِذَيها. ولعمر الله، بقيتُ باهتا للحظات حين دخولها علينا ثم أدركني عقلي فرأيتُ وجها لم أحسب أن الشمس وقعتْ على مثله جمالاً بل حتى أنه خُيَّل إلي أن الشمس نفسها تشرق من جبينها، وتغرب في شقائق خدها. وأنا أكاد أجزم أنه لا تفتح العيون على أتم منها حسنا ، ولاتقع الاطرف على أجمل منها صورة وخلقة. ولو رأيتُها من بعيد تسير نحوي مقبلة تحت ضوء خافتٍ لجزمتُ-والذي خلقها- أنها كشفتْ للعيان عن جذعها العلوي والسفلي-من مطابقة بشرتها لاطراف ثيابها بياضا- وتمنطقت بحزام أخضر عريض. ولو أردتُ أن اختصرها بجملة لقلت أنها هي الحسن مجسما، والجمال ممثلا.

مشت تلك الحسناء من بيننا تتمايل متثنية كالخيزران من غير سكر ولا خجل متجهة صوب الشيخ والشيخة مباشرة. فاكبت عليهما تحتضن الأول وتقبل الأخرى. فاتضح من كلامها أنها ابنتهما وهي عمة صاحبتي. ألتفتتْ بعد ذلك لتواجهنا بوجه رقيق كأنه كوكب دري، فابتدرت صاحبتي بتعريفها بنا فمدت يمينها -وكلتا يديها يمين!- فصافحتنا جميعا من دون أن تحتضن أو تقبل -رغم أن أطرافي اضطربت رغبة لذلك-، ثم جلست تلقاءنا عن يمين أبيها.

للحديث بقية……

أنا مدمن

 زعم البعض أن حالات الإدمان مقتصرة على تعاطي مخدرات أو استهلاك كحول؟ أنا أقول أن هذا الحصر لا يخرج عن كونه إدعاءا لا يستطيع صاحبه اثبات صحته؟ وكيف يكون ذلك وهو لم يعاين حالة أدمان من نوع آخر  تصيب آحاد البشر.  بل وأضيف على ذلك أن الأمر لا يقتصر على وجود إدمان من نوع آخر فحسب، إنما أكاد أجزم يأس متعاطيه من توفر الدواء والخلوص من الشقاء! ولعل عدم اكتمال ذاك الحصر كان بسبب خفاء معرفته عن خاصة الناس  فضلا عن عامتهم. والفقير إلى عفو أعينكم قد شاهد معاينة أعراضه فخلص إلى أن ذاك الإدمان لا يخلو ان يكون مختلفا عن أعراض بقية حالات الإدمان الدارجة. فذاك رجل يحك ساعده الأيسر حتى كاد أن يقشط جلده، وأخرى تنتف شعر رأسها فلا تسكن إلا بجرعة، وثالث يمعر أظافره، ورابع يعض على أطراف بنانه، وخامس يشق جيوب ثوبه، وسادسة تدعو ثبورا على من منعها عنه!

 يقول المدمن سعد-غفر الله لقارئ مدونته-: تصيبني حالات توتر يتخللها صرع لا تذهب حتى احقن النفس بجرعات منها، فاحس بعد تعاطيها براحة وانشراح صدر كبيرين. لكن-والكلام لازال لسعد- ما أن ينقطع عني أو احرم منه حتى يخيم علي التوتر والإضطراب مرة أخرى. فاقوم من مكاني كالمجنون باحثا عن مواطنه صائحا: (مكتبة! مكتبه! يا ناس! مدوني بجرعات من كتب!) فما إن أقع على  مكتبة أمامي، حتى ارمي بنفسي على القائم عليها قائلا: (مدمن كتب ورب البشر!) فيهز رأسه عن قناعة و معرفة بإدماني -وأهل المكتبات أدرى بأعراضها- فيقوم هو بدوره باتخاذ الإجراءات اللازمة. ولأن الامر وقتئذ ملح  فلا وقت لإجراء عملية “جراحية” على عجل قبل استشراء المرض، قام  بحقني صفحات من كتاب حتى يعيد سكنى النفس وهدوءها. فتعود الطمأنينة مرة آخرى وتهدأ النفس،  فاحمد الله على ذلك وأقوم عنه مختلسا حقنا عن دون علم منه لتكون قوت اسبوعي القادم. أهـ

قلت -سعد يعلق على قوله السابق-:فهأنذا أبرهن لكم على اختلال ذاك الحصر حينما نرى جميعا أن أناسا -نحسبهم والكتب حسيبتهم- قد وقعوا في شراك المكتبات حتى عجزوا عن الخروج منها. فولوجها سهل والخروج منها صعب. ولم تقف حالهم على ذلك فحسب، إنما استطاعت تلك الكتب أن تسخرهم عبيدا لخدمتها كما يفعل المخدر والنبيذ. فجعلوا يغدقون على المكتبات وكتبها مالا وجهدا حتى اصبحت شغلهم الشاغل.

والأعجب من ذلك، أن بعض الحقن -وإن كانت تستخدم مرة ثم ترمى- إلا أن المتعاطي لا يهدأ له بال حتى يعيد استخدامها مرة أخرى! فتجده يحرص أشد الحرص على تتبع قطرات سقطت -سهوا- من تلك الحقن. فيعمل على جمعها ثم صبها في الحقنة فيحقن نفسه بها كرة آخرى. وهذا وجدته في كتب كثيرة اقوم بقراءتها كرات ومرات.  فلا أترك حواشيا  أو تعليقات -تلك القطرات الساقطة!- إلا و ألتهمها بعيوني إلتهاما. ألا ترى حينما يُقدّمُ لك طبقٌ من كعك، فتجهز عليه ثم من شدة لذته وطيب حلاوته، يقوم لسانك طواعية بلعق الصحن وتتبع ما سقط من فتاته! 

لذلك وجب التنبه والتحذيـــــــــر!

قاله المدمن سعد غفر الله لشراك وشباك كتبه  

كل عام وأنتم بخير

كل عام وانتم بخير

فتاة القطيف (2)

قد كنت أنوي الخوض في قضية فتاة القطيف وآتي على كل بنودها فانقضها واحدة تلو آخرى، لكن العفو الملكي حال دون ذلك

شكرا أبا متعب

شكرا لك من كل قلبي

وأسال الله أن يلحق ذاك العفو بعفو كذلك آخر في حق فاطمة وبعلها

للإطلاع على المشهد الأول هنا

للإطلاع على المشهد الثاني هنا

(يُرى جمع غفير من الناس في قطعة الحراج الواقعة جنوب غرب السوق، يُرى كذلك تاجرٌ يقف على منصة مرتفعة واضحة للعيان ممسكا بميكروفون وتُرى امرأةٌ تقف بجانبه. جموع الناس مكتضة حول المنصة ينتظرون ساعة الصفر. يُدني التاجر الميكروفون من فمه فيرجز قائلا) :
نـبـدأ بـاســم الـلـه أولا       ثم نصلي ع النبي ثانيا
ثم نجود بقول :مرحبا        أهـلا بـجمعكم ومسهلا
اصبتم من الخير دررا       ولعقتم بالمجـيئ سكرا
(ينصت الناس من حوله جميعا لرجزه كأن على رؤوسهم الطير)
يا باحـثا عـن عــســلٍ        يا نــافــرا مـن مـلــــلٍ
(يتوقف التاجر عن الكلام يلتقط أنفاسه ثم يكمل قائلا) :
يا باغي الــخير أقـبل          ويا باغـي الـشر أدبر
(يشير على المرأة بالإقتراب منه) :
ياذائقا من جوفٍ عسلا، يا طالبا ميسارا مباركا،أتيتكم يا معاشر مجاهدي المسيار بدرة كفلق القمر
(يكثر التاجر الإلتفات على الجمع من حوله كأنه يطلب من يستفتح بثمن معين)
(يشق رجل الجمع فيقترب من المنصة قائلا) : ذهبتْ بخمسة آلاف!!
التاجر: بسم الله (مكررا) خسمة ألاف، خمسة ألاف من يزيد؟
(يرفع أحدُ الحضور يده فيصيح بصوت عالٍ) : ستة ألاف!!
التاجر: (مكررا) ستة ألاف، ستة ألاف من يزيد؟
(وآخر) : وخمسمائة!!
التاجر: ستة ألاف وخمسمائة، ستة ألاف وخمسمائة…
(ثم ثالث) : سبعة ألاف!!!
التاجر: سبعة ألاف، سبعة ألاف، من يزيد، سبعة ألاف؟
(فرابع) : عشرة ألاف!!!!
التاجر: (يمد صوته طويلا) عشششششرة ألاف، عشرة ألاف، الرجل في الخلف يطلبها بعشرة ألاف، من يزيد؟
(يقترب أحدهم إلى من طلب المرأة بعشرة فيهمس بأذنه قائلا) : أموسع انت يا شيخ عبدالله !!
التاجر: عشرة ألاف، عشرة ألاف، من يزيد؟
الرجل الأول : اثنا عشر ألفا
التاجر: اثنا عشر ألفا، يا قوم ! الرجل أمامي هنا يطلب فيها اثنا عشر ألفا ،(مكررا) اثنا عشر ألفا ، اثنا عشر ألفا ،من يزيد؟
(يعيد التاجر كلامه حتى ظن الناس من حوله أن الثمن سيقف على اثني عشر الفا)
الشيخ عبدالله: (بصوت جهوري) عشرون ألفا،
التاجر: (بصوت عالي) عشروووون ألفا ، عشرون ألفا !!! لله درك من رجل! عشرون ألفا من يزيد
(ينشط الناس من حول المنصة لصوت التاجر حتى حمي وطيسهم فينطق احدهم مجازفا) : واحد وعشرون!!!
التاجر: (كأن صوته ذهب) واحد وعشرون !! واحد وعشرون !! لله ابوك !واحد وعشرون، من يزيد؟
الشيخ عبدالله: (بكل وقار) ثلاثون ألفا…
التاجر: (طربا) لله أبوك، لله درك،لله صوتك ، لله مالك، الرجل في الخلف يطلبها بثلاثين، (تظهر علامات الفرح والسرور واضحة على محيا التاجر) ثلاثون ألفا، ثلاثون ألفا، من يزيد، ثلاثون ألفا، الرجل في الخلف يطلبها بثلاثين ألفا، ثلاثون ألفا(ينظر الناس من حول المنصة إلى بعضهم البعض، كأنهم أيقنوا بذهاب المرأة إلى صاحب الثلاثين)، ثلاثون ألفا ، هل من مزايد على ثلاثين ، ثلاثون ألفا، ثلاثون ألفا (يقف التاجر عن الكلام لوهلة ثم يقول) إذن، هي لصاحب الثلاثين.
(يرى جموع الناس تنفض من حول المنصة متأففة ولا يبقى حولها إلا القليل منهم، ويُرى الشيخ عبدالله يعدو إلى التاجر كي يستلم المرأة)
التاجر(مخاطبا الشيخ عبدالله) : بارك الله لك في مسيارك هذا، وجعله الله خيرا لك ورزقك منه لذة في الدنيا ولا حرمك الله من لذة الحور العين في الآخرة (يشير بيده إلى المرأة أن اذهبي مع الشيخ عبدالله).
الشيخ عبدالله: وفيك بارك، نحن على خير مادام قساوستنا ينافحون عن زواجات كهذه، أسأل الله العلي القدير أن يوفقهم إلى ما فيه صلاحنا في ديننا ودنيانا.
(يرفع الاثنان أكف الضراعة إلى الله يسألونه أن يديم عليهم نكاح المسيار)
(يقطع التاجر دعاءه كأنه تذكر شيئا، فيلتفت إلى الشيخ عبدالله فيقول له) : ادع الله كذلك أن يوفقنا في إنشاء سوق لزواجات بنية الطلاق وآخر بجانبه للمسفار يا شيخ عبدالله.
الشيخ عبدالله: اللهم آمين ، اللهم آمين، اللهم اعنا على إنشاء سوقين: سوقٌ نجمع فيه نساءا كي ننكحن ثم نطلقهن متى ما أردنا، وسوق نجمع فيه نساءا نعقد عليهن متى ما أردن السفر خارج البلاد.
التاجر: (بصوت خافت) اللهم آمين ، اللهم استجب

تقفل الستار عن انتهاء المسرحية

سوق المسيار (المشهد الثاني)

 للإطلاع على المشهد الأول أضغط هنا

(تُرى بسطاتُ وسط القطعة الشمالية من السوق أمام المتاجر السبع الكبرى، تجلس على تلك البسطات نساءٌ بلغن من الكبر عتيا عُرِضْنَ بثمن بخس دراهم معدودة، يُلاحظُ تاجرٌ يقف على رؤوس نساء عرضهن للمسيار على بسطة له وهو يلح على الزبائن المارة بالمسألة. يُمسِكُ هذا التاجر بمجمع ثوب أحد الزبائن المارة يسأله أن يشتري إحداهن.)
التاجر: (متوسلا) والذي خلقك يا سيدي إلا ألقيت نظرة على بسطتي هذا، ولك علي أن ابيعك إحداهن بأي ثمن تريده.
(يقف ذاك الزبون لوهلة فينظر إلى التاجر بعين يملؤها الإزدراء ثم يصرف نظره إلى تلك البسطة، فيجوس بعينيه إلى تلك النساء فلا يجد منهن ما تطيب له نفسه، فيرفع عنه يد التاجر قائلا) : أرفع يدك عنّي يا تاجر المعمرات!! أتريد مني أن ادفع مالا في ما لا فائدة في نكحه!!!
التاجر: لا تخف يا سيدي، فإن نسائي ينشطن للنكاح وزفراته!!!
الزبون: (مشمئزا) ابتعد عني تكلتك بسطتك، فما أتيت أطلب معمرات، إنما أبحث عن جارية بعمر الزهور، إن كان لديك ، فأرنيها قبل أن اختلف إلى غيرك.
التاجر: لحظات يا سيدي، دعني أريك ما ستجد لذة في نكاحها وبثمن بخس أيضا، (يشير بيده إلى امرأة من بين الجلوس، فتقف ثم تقترب منه حتى تصبح على موضع شبر من الزبون) انظر إلى هذه، قد بلغت من العمر خمسا واربعين سنة، مات عنها زوجها وقد انجبت منه طفلين، لكن هي والله لطيبة المعشر لذيذته، وقد تنازلت عن الكثير من حقوقها، فلا مبيت ولا مسكن ولا حتى إعلان نكاح، خذها يا رجل ولا تدعها تفلت من بين يديك.
الزبون: وكم هو سعر مسيارها؟
التاجر: (وشفتاه تختلجان) هي يا سيدي ..بخمسة ألاف ريال فقط لا غير.
الزبون: عليك اللعنة!! وتقول “فقط لا غير” أيضا!!امرأة في عقدها الخامس بطفليها تريد أن أضع فيها خمسة ألاف!!
التاجر: امرأة بنفس مواصفاتها في تلك البسطة(واشار بيده عن يمين بسطته) يطلب صاحبها فيها سبعة ألاف ريال!! وأنا على مقربة من نفاد بضاعتي، فلذلك أخذت من ثمنها قليلا وأكتفيتُ بخمسة ألاف ريال لا غير؟
الزبون: أخذتها بثلاثة؟
التاجر: لا سبيل إلى مماكسة ثمنها؟
الزبون: إذن ادعك ومعمرتك هذه!!!
التاجر: (ممسكا بطرف كم الزبون) هون عليك يا سيدي ولا تستجعل بالذهاب، ألق عليها نظرة وتفحصها إن شئت فستجد أني لم أخطئ في وضع ثمنها.
(يضرب التاجر بقدمه على قدم المرأة على حين غفلة من الزبون كي تتوسل له بأن ينكحها مسيارا، تقف المرأة كالمترددة أمام الزبون فتَبُلُّ بلسانها ما يَبُس من شفتيها لهول الموقف، ثم تنطق على نغمات متقطعة) :وحياتك الغالية يا سيدي إلا أخذتني فإني امرأة جلدةٌ تصبر على الأذى ولا تطلب الكثير وسأكون عونا لك في النجائب.
الزبون: (شاخصا ببصره إليها) : وماذا افعل بطفليك؟
المرأة : (في تردد)سيكونا لك مقام الخادمين المطيعين لسيدهما!
(يقف الزبون أمامها مطيلا التفكير محدقا بنظره على جسدها، فاتلا شنباته، ثم يرفع يده عن وجه فيرد عليها قائلا) : إذن، قولي لهذا (وأشار بسبابته إلى التاجر) أن يَضَعَ من ثمن مسيارك قليلا، فكثيرٌ عليك خمسة ألاف ريال!!!
التاجر: (مقاطعا) يا سيدي والله لو استطعت أن أضع من ثمنها لفعلت.
(يُلاحظ رجلٌ آخر تظهر عليه علامات العربدة يشقُ جموع الناس من بعيد وهو يجر امرأة إليه من تلابيبها، ثم يصرخ بأعلى صوته مخاطبا التاجر) : يا فاجر المتمسيرات، يا قوّادهن، يا أيها الكاذب الفاجر.!!!!؟
(يقف التاجر مذهولا مصعوقا من مقدم ذاك الرجل كأنما أصقط في يده، يقترب ذاك الرجل منه ثم يرمي بالمرأة على بسطته فتقع هي المسكينة على وجهها وقد أثر فيها السقوط)
الرجل (بصوت يعترية حدة) : كذبتَ عليّ أيها الفاجر، وقلتَ أنه مختومٌ عليه مقرطسٌ فتبين لي غير ذلك!؟
التاجر: (مرتعبا، مضطربا) لم أكذب ولم أغش!!
الرجل: (مقاطعا)بلا يا عدو نفسك، أطمعتني بالبكارة حتى أَخَذَتْ نفسي تجول في مُناها، فطمعتُ فيما وصفْتَه لي، فأخذتُها على عجل.
التاجر: (وكأنه استعاد شيئا من رباطة جأشه) مشكلتك يا أخا الهيجاء، قد عرضتها عليك وأريتك المرأة فقبلت بمسيارها من دون تردد.
(يقف الرجل مضطربا غضبانا وقد أخذ به الغضب كل مأخذ حتى يُرى احمرار وجنتيه وعينيه وتقطب حاجبيه، يصرف الرجل نظره عن التاجر، فيلقي به على الرجل الأول، فيقول له) : لا تأخذ منه شيئا، فإنه كذبني ولن يدخر جهدا في أن يكذب عليك، زفَّ إليّ هذه (وأشار إلى المرأة ) مسيارا حتى أنه ضمخها بالياسمين من رأسها إلى أخمص قدميها لدرجة أنك ترى وبيض الطيب من مَفرِقِها،علاوة على كذبه علي بأنها بكر، فما وجدته من مسْيَرَتِها إلا شرا (يضرب بيده اليمنى على اليسرى كالمتأسف الخائب) لا تصدقه، فإنه تاجر يقتات على الكذب والنفاق.
الرجل الأول: (يصيح بوجه التاجر) يا سافل، أبلغ بك المقام ان تتخذني سخريا وتغشني كما غششت هذا (وأشار بيده إلى الرجل الثاني)
التاجر: (يعتريه الاضطراب مرة اخرى) لا تأخذ بكلامه يا رجل ، إنـ…
الرجل الأول: (مقاطعا)صهٍ يا منافق المسيار علي بكل امرأة في سوق المسيار هذا حجةٌ إن اتيتك مرة أخرى
التاجر: (يمسك بتلابيب ثوب الرجل) يا سيدي ما كذبتُ ولا نافقت، خذ غيرها إن شئت
الرجل الأول (غاضبا) : قبحك الله وقبح بسطتك هذه ، ما بي حاجة إلى نسائك بعد فعلتك بصاحبي.(يرمي بيد التاجر عن ثوبه) أغرب عن وجهي وإياك ان تعترضني مرة أخرى.
(يبتعد الزبونان عن التاجر، فيتجه أحدهم شرقا والآخر جنوبا، يسقط التاجرعلى الأرض خائبا كالمخزي وهو يصفق بيديه ويسترجع بصوت مسموع، ثم يغطي وجهه بقطعة قماش كأنه يريد إخفاءه عن الناس خجلا واستحياءا )

تقفل الستارة عن المشهد الثاني.

Older Posts »