للإطلاع على أسود وبيضاء (2)، اضغط هنا
فصل
حين جلس الجميع واستقر كل واحد منا في مقعده وأخذ الجد مرة أخرى يهذي وينفض عنه إلينا سنينه الشداد العجاف، دخل رجل عظيم الجثة، مضطربُ الخَلْقِ، أسودُ اللون، فطِسُ الأنف عريضه، ذو شفتين سميكتين وجبهة واسعة، فتقدم مباشرة إلى الرعبوبة متخطيا -ومستدبرا- الجميع لا يلوي على أحدٍ كأنه هارب من دم أصابه في قومه قبيل لحظات. فاستلم ثغرها فقبله ثلاثا! وأطال في تقبيله، ثم احتضنها وجعل يطلق أنفاسا ويتنهد مما لقيه من صدرها، وجعل يقول :
-احبك حبيبتي
فترد عليه:
-وأنا أحبك حبيبي.
وأنا ثالثهما على نصف متر من موضع اللثم والتقبيل احترق غضبا وغِلاّ من فعل غسق الليل هذا، حتى هممتُ مشاركته ثغرها! فكيف يطيب له ارتشافه ولا يطيب ذلك لكريم ابن كريم مثلي! بل كيف تمكنه ثغرها وتمنعني من الرعي والرتع في مرابعه! ثم ولى وجهه نحو الشيخ والشيخة فاستلمهما وقبل ما بين عينيهما ثم أزف نحو الأب فاحتضنه ولم يقبله، ثم أدلف بعد ذلك إلى صاحبتي فسلم عليها فاحتضنها كاحتضانه الأولى وأشارت بيدها نحونا تعرفه بنا، ثم استلمنا واحدا واحدا يصافحنا بيد كأنها مرزبة -يعلم الله!- من عظم عضامها. ولو جمع أيدينا كلها بسلام واحد، لما أعجزه ذلك! وقتها، وبعد أن رأيتُ ما رأيت، وأيقنتُ أن الأسودَ قد كان زوجها وأبا لابنتها، رميتُ بتلك الأعذار في زبالة الذاكرة وجعلتُ أسخر من أختلاقي لها وكيف كنتُ قبل فترة ألتمسُ لما أرى حججا خوفا من أن تأتي صفعاتٌ أُخَر عليّ مرةً أخرى علاوة على التي سبقتها من لدن ظهور ابنتها. لكن -واخيب ظناه- قد انهالت علي هذه المرة أرسالا متتابعة كحبات سُبحة انقطع خيطها. وبعد أن يأستُ من الظن في غير ما رأيت، جعلت أختلف إليه وإليها بنظراتي وأعجب مما أرى حتى رددتُ في نفسي مرارا وتكرارا:
-واثكل أماه! واااااثكل أماه !أما بقي من الرجال إلا هذا حتى تخالطيه ببعض لحمك! فتلدين مهجنة كهذه!
ثم قامت البنية من حجر أمها فقالت: أبي أبي، سأحضر أخي الصغير، فاضطربت لمقولتها عروق لساني قائلة:
-وااااااثكل جدتاه!!!!أولكم مهجن آخر غير مهجنتكم هذه!
فخرجتْ من بيننا والحديثُ قائمٌ فأتت بعد لحظاتٍ مجلِسَنا بطفل كأبيه في سواده -أو أشد- تحمله وتداعبه،فقلت في نفسي والكلام موجه لأمها :
-والله يا زينُ لقد جئت شيئا فريا! ماكان أبوك ظلام ليلٍ وما كانت أمك إلا خلقا سويا!
فاقبلت به إلى أمها تحمله، فوضعتُه في حضنها، فطفقت هي الأخرى تقبله وترقّصه ثم احتضنته وقبلته مطولا بشغف وقالت :
-يالذة تقبيلك.
ونفسي تردف قائلة :
-بخ بخ، هجين يُقبل، وكريمٌ يُصفع!
قمنا بعد أن قطع الأبُ عنوة حديث أبيه إلى الطعام، فأخذتْ صاحبتي تصف أطباقا على طاولة الطعام ونحن جلوس حولها، ثم أتت عمتها أم الهجينين فوضعت طبقا من بيتزا ثم جعلت تشطر وتضع في صحن وتقول: دونك، أنت وشأنك لكل واحد على حده. والأب يسكب نبيذا انتبذه بنفسه على حد زعمه. فأكل الجميع وشربوا، والشيخ لم يزل في حديث الماضي مسترسلا، كلمةٌ يخرجها ولقمة يلتقمها! وعقلي هو الآخر لم يزل كذلك مسترسلا في حساب الفروقات، لقمةٌ آكلها ونظرة اختلسها، باستثناء أن حساب الفروقات هنا كان على أربع صور بدلا من اثنتين.
وبعد أن انتهينا، وبعد أن رفع الأب الأطباق، عاج كبيرهم بنا مرة أخرى إلى أحاديثه الغابرة فازداد استرساله عن ذي قبل حتى ضجر الجلوس من حوله ولاحت على وجوههم علامات السآمة والضجر. فأخذت صاحبتي ترقبني من مكانها كأنها تطلب شيئا، ففهمتُ من إيماء حاجبيها ونظرات عينيها أن نستعجل الخروج. فولت وجهها نحو جدها فقطعتْ بعد أن ترددتْ قليلا كلامَه وقالت للحاضرين أن علينا الذهاب الآن فقد ضاق الوقت بنا والدكتورة ألزمت طلبتَها بتسليم المشروع غدا صباحا. فأخذنا نسلّم عليهم واحدا تلو آخر حتى مررتُ على العمة فأخذتْ تصافحني كاشفةً عن ثغر باسم -وَجَبَ العياذُ به- حاملةً هجينها ذاك. فاستحييتُ منها وقتئذ أن أُفْلِتَ يدي من دون أن اقبل هجينها، ثم أخذت نفسي اللوامة تحتج :
-وما الضير يابن أم سعد! على الأقل، ستلثم موضعا لثمته الست قبيل لحظات!
فجعلتُ اتتبع مواضعه وكدتُ أن أتهور قليلا فأرنو إليها هي بنفسها لألثمها لولا الخوف الذي اعتراني وقتئذ من يد زوجها أن تطالني، فهي “ربعةٌ” من الأيدي إن لم أقل مرزبةٌ عند التحقيق. ثم خرجنا مودعين بحفاوة وخصوصا من الجدة فقد أكثرت عند خروجنا من تحريك أطرافها وفغرت فاهها ضاحكة كأنها تستبشرُ خروجنا، فقالت لحفيدتها :
-عوجي علينا غدا با ابنتي بعد أن تنتهوا من مشروعكم ذاك.
- بالطبع جدتي، سنعمل على إتمامه بقية ليلتنا هذه، وسأبيت عند سعد هذه الليلة، وبعد أن نسلم المشروع غدا سأعوج عليكما مباشرة.
فَقَبَّلَتْها وخرجتْ معنا
